أحمد بن علي القلقشندي

257

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فقال « علم التّصوّف » : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، إذ كان كلّ امريء بما عمل مجازى وبما كسب رهينا ؛ إنّه يجب على كلّ من كان بمعتقد الحقّ جازما ، أن يكون عن دار الغرور متجافيا ولأعمال البرّ ملازما ؛ فإنّما الدّنيا مزرعة للآخرة ، إن حصلت النّجاة فتلك التّجارة الرّابحة وإن كانت الأخرى فتلك إذا كرّة خاسرة ؛ فمن لزم طريقتي في الإعراض عن الدّنيا والزّهد فيها سلَّم ، ومن اغترّ بزخرفها الفاني فقد خاب في القيامة وندم . فلما كثرت الدّعاوى والمعارضات ، وتتابعت الحجج والمناقضات ، نهض « علم السياسة » قائما ، وقصد حسم مادّة الجدال وطالما ، وقال : أنا جذيلها المحكَّك وعذيقها المرجّب ( 1 ) ، وسائسها الكافي وحاكمها المهذّب ؛ لقد ذكر كلّ منكم من فضله ما يشوّق السّامع ، وأظهر من جليل قدره ما تنقطع دونه المطامع ، وأتى من واضح كلامه بما لا يحتاج في إثباته إلى دليل ظنّيّ ولا برهان قاطع ؛ غير أنه لا يليق بالمنصف أن يتخطَّى قدره المحدود ولا يتعدّى جزءه المقسوم ، ولكلّ أحد حدّ يقف عنده وما منّا إلَّا له مقام معلوم ؛ فلو سلك كلّ منكم سبيل المعدلة ، وأنصف من نفسه فوقف عندما حدّ له ، لكان به أليق ، ولمقام العلم أرفق . فقال « علم تدبير المنزل » : لقد تحرّيت الصّواب ، ونطقت بالحكمة وفصل الخطاب ؛ لكنّه لا بدّ لكم من حبر عالم ، وإمام حاكم ، يكون لشملكم جامعا ، ولمواقع الشّكّ في محلّ التفاضل بينكم رافعا ، محيط من كلّ علم بمقصوده ومراده ، عارف بما تشمل عليه مباديه من حدّه وموضوعه وفائدته واستمداده ، ليبلغ به من الفضل منتهاه ، ويقف به من الشّرف عند حدّ لا يتعدّاه ؛ فلا يدّعي مدّع بغير مستحقّ ، ولا يطالب طالب ما ليس له بحقّ ؛ إلا أنّ المحيط بكلكم علما ، والقائم بجميعكم فهما ، أعزّ من الجوهر الفرد

--> ( 1 ) الجذيل : الأصل من الشجرة تحتك به الإبل فتشتفي به . أي جرّبتني الأمور ، ولي رأي وعلم يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجزلى بهذا الجذل ، وصغّره على سبيل المدح . والعذيق : تصغير لعذق النخلة . والمرجّب : المعظم .